خارج التغطية جلستُ بين يَدَيْ جرّاحِ الأسنان. كانت الرائحةُ النفاذةُ للمخدرِ قد احتلّت المكانَ بالفعل، تعبقُ في الهواءِ الباردِ لتعلنَ غيابَ الخيارات. فوق رأسي، كان الضوءُ الأبيضُ المسلّطُ من المصباحِ الدائريِّ الضخمِ يعزلني عن بقيةِ العالم، ويحولُ وجهَ الطبيبِ خلفَ كمامتِه الزرقاءِ إلى شبحٍ محايدٍ بلا ملامح. لم ينطق بكلمة. أدار ظهرَه نحو الطاولةِ المعدنية، فكانت قعقعةُ الأدواتِ الصغيرةِ تشبهُ دقاتِ ساعةٍ تقتربُ من الصفر. ثم التفت. في يده، كانت الإبرةُ الطويلةُ تلوحُ تحت الضوء، يلمعُ سنُّها المدببُ ببرودٍ متعمد. شعرتُ بجسدي يغوصُ تلقائيًا في المقعدِ الجلدِيّ، وكأنني أحاولُ الاختباءَ داخلَ نفسي. اقتربت يدهُ المغطاةُ بالقفازِ المطاطي، وتداخلت رائحةُ "اللاتكس" مع مخاوفي. "خذ نفسًا عميقًا.. واسترخِ". قالها بنبرةٍ آليةٍ رتيبة، نبرةِ من يكررُ الجملةَ للمرةِ الألفِ هذا اليوم، دون أن يدري أن عالمًا كاملًا بداخلي يتداعى الآن. حبستُ أنفاسي. امتنعتُ عن الزفيرِ تمامًا، كأنني بقطعِ الهواءِ أقطعُ صلتي بالألمِ القادم. تثبتت عيناي على نقطةِ غبارٍ تائهةٍ في هالةِ المصباح. اقتربت الإبرةُ.. عبرت حدودَ شفتيّ.. وتوقفت على بُعدِ مليمتراتٍ من لثتي. تجمّد الزمن. ونبضاتُ قلبي تقرعُ في أذني كطبلِ حرب. وفجأة، وقبل أن يغرسَ السنَّ المدبب، دخلت الممرضةُ بخطواتٍ ثقيلة، دون أن تنظرَ إليّ. وضعت ورقةً على الطاولةِ المعدنيةِ وقالت بنبرةٍ خاليةٍ من أيِّ تعاطف: "دكتور، أعتذرُ عن المقاطعة.. لكنّ نظامَ التأمينِ الصحيِّ الخاصَّ بهذا المريضِ تمَّ رفضُه قبل قليل. الشركةُ ألغت تغطيةَ سحبِ العصبِ والترميمِ منذ الصباح". توقف الطبيب. وظلّت الإبرةُ معلقةً في الهواءِ لثوانٍ بدت كالأبد. نظرتُ إليه بعينينِ متوسلتين، متناسيًا رعبَ الإبرة، ومفكرًا في ألمِ ضرسٍ ينهشُ رأسي منذ ليالٍ، ولا أملكُ ثمنَ علاجِه دون هذا التأمينِ البائس. أنزل الطبيبُ يدَه ببرود، وأعاد الإبرةَ إلى مكانها. نزع قفازاتِه المطاطيةَ التي أحدثت صوتًا جافًا، ثم قال وهو يلتفتُ نحو مكتبِه دون أن ينظرَ في عيني: "عذرًا.. لا يمكننا المتابعة. سأكتبُ لك وصفةً لمهدّئٍ مؤقت.. يمكنك الزفيرُ الآن، والتوجهُ للمحاسبِ لدفعِ كشفيةِ المعاينة". خرج الهواءُ المحبوسُ من صدري، لكنه لم يكن متبوعًا بضحكة، بل بتنهيدةٍ حارقةٍ مكتومة. غادرتُ الكرسيَّ والوجعُ ما زال في فكّي، متأكدًا أن وخزةَ الإبرةِ التي كنتُ أخشاها، كانت أرحمَ بكثيرٍ من وخزةِ الواقعِ خارجَ هذه الغرفة.
علي مصطفى قدوم · 2 د قراءة